يوميات معارض مبتدئ (2) حكاية الاستاذ عبد الستار



يوميات معارض مبتدئ (2) حكاية الاستاذ عبد الستار





- الان نختتم نشرتنا الاخبارية بطرفة كلب فرنسي أجاد الحساب على طريقته!! بقية التفاصيل في هذا التقرير..




-جمع واحد وإثنان؟




- هو هو هو !!!




- طرح ثلاثة على واحد؟




- هو هو !!




التفت إلى إبنه الاصغر وهو يقول بصوت متعب وحانق 




- انظر ياحمار!! كلب أجاد الحساب!! وأنت ياحمار ؟!! ياليت ولدت كلب.. كان على الاقل رفع رأسي قدام الناس!لكن ربي أعطاني ثلاثة حمير لا يجيدون سوى الاكل والنوم والتزاحم على باب الحمام.. ربنا يأخدكم قولوا أمين..





هذا حال عبد الستار أستاذ الرياضيات بالسلك الثانوي قبل أن يمتهن فن الحلقة أمام دائرة الشرطة القريبة من نفس الثانوية.
رغم أنه كان نابغة في مادة الرياضيات إلا أن الله رزقه بثلاثة صبيان لم يعمل لهم حساب ولا وجد لهم طريقة ليستوعبوا بها دروس الحساب.. فقد كانت تصرفاتهم كلها بدون حساب وأكلهم ونومهم وهمهم بلا حساب!!

كان أكبرهم حملا ثقيلا داخل البيت وخارجه. فالشيء الذي لم يكن في حسبته أن يصير أحد أبناءه في سن السادسة عشر مدمن حشيش ثم سكيرا يعمل له ألف حساب وحساب!!




ولبد لكل جيران الاستاذ عبد الستار أن يسهروا مجبرين يوم كل سبت على مسرحيات ابنه بعد أن تلعب الخمر برأسه ويصير عنتر زمانه!! يبدأها عند مذخل الزقاق ويتمها عند مشارف البيت, فيصطف الكل على الشبابيك الضيقة ليتفرجوا على جديد أبن عبد الستار الذي لم يترك شيئا لم يتفلسف فيه ليثبت لعبد الستار ذكائه ورجاحة عقله أمام جمهوره الوفي, يتكلم عن كل شيء.. الماء والكهرباء.. وشؤون الدولة العليا!! فيهرول عبد الستار في كل مرة إلى الشارع لكي يسكته, ثم يجره جرا إلى البيت ليتم مسرحيته تحت ضربات حزامه الذي لم يعد يبكيه بقدر ما يجعله هائجا وأكثر تمردا.. 




كان كل خوف عبد الستار أن يتعدى أبنه إدمانه إلى الانحراف.. فإن لم يستطع أن يطرح للمجتمع أبنا ذكيا فعليه أن يقدم لهذا الوطن أبنا صالحا. 




فالشيء الذي يجهله الكثير عن عبد الستار أنه كان إنسانا ملتزما في كل شيء.. مواطن يحب المشي دائما بجانب الحيطان.. لم يذكر عن عبد الستار أنه تأخر عن مواعيد عمله يوما أو كتب عنه تقريرا يشكك في كفاءته أو شارك في إضراب, وقليلا ما شوهد في دوائر المخزن, وفي الغالب كان لاستخراج أوراق رسمية لكن هذه المر سبق السيف العزل, وجد نفسه أمام المخزن الذي هرول إليه وهو يحاول السيطرة على ابنه.. تسمر في مكانه وهو ينتظر وصول عساكر الدورية الليلية إليه في خطوات سريعة. 




- ماذا يجري هنا؟




- لاشيء سيدي.. هذا ابني افرط في الشرب وأنا أحاول جره إلى البيت وربنا ستار حليم..




- أراهن يا رجل أنه لم يكمل السابعة عشر! فكيف يصير حاله حين يكتمل نموه ويصير محسوبا علينا من الرجال؟!




- سيدي عقل الصغار! أعدك أن لا يعيدها مرة
أخرى.. أنا رجل تعليم وهذا العاق ابتلائي في الدنيا من رب العالمين.. والله لم أدخر جهدا ولا قصرت في تربيته.. 




جره الشرطي بعيدا عن الأخريين وهو يقول في خبث :

- وإذا وجدت من يربيه لك!؟!



- كيف؟!! أقصد أكون ممتنا..




- إذا اتركه لنا لليلة واحدة كي يصير كالرجال!! 

ظل مترددا أمام عرضه فهو لم يتخيل للحظة أن يبيت أحد أبناءه في زنزانة فتابع الاخر :



- يا أستاذ! ابنك لا بد له من معاملة خاصة ليدرك الفرق بين حضن أب وخضن زنزانه..




- أنت محق.. أنت محق.. خ.. خذوه..




- حسنا ما سنفعله سيكون بعيدا عن دفاتر الدائرة.. لكي يقتنع أصحابي لا بد أن تدفع لهم حساب قهوتهم!!




- فهمت.. فهمت.. كم ثمن قهوتهم؟




- حسب تقديرك أنت!!




- لدي فقط خمسمائة درهم.. هل هذا كاف لخمسة فناجين قهوة؟




- هتها وسأقنع أصحابي بذلك..


اتجه إلى أصحابه وسرعان ما جر الصبي كالنعجة إلى السيارة 




-أدخل يا عاق والديه!!! استفاق الصبي من سكرته وهو يستغيث بأبيه الذي تسمر في مكانه بدون حراك




- بّا!!!!! أبّا!!!!!!




- اسكت يا كلب.. لما ربّاه أبوه يربيه المخزن!


جمع عبد الستار دموعه وأوصاله واستدار إلى بيته قبل أن يغير رأيه وهو يقول في انكسار: 



- لما ربّاه أبوه يربيه المخزن.. 


لم تكن ليلة سهلة على عبد الستار و لا على ابنه الذي اجبر على تنظيف دائرة الشرطة بأكملها واستلم كم بصق كفيل أن ينظف الدائرة من جديد وسيل سباب وضرب جعله يتخدر بدون خمر ولا حشيش.. وفي أخر السهرة رمي في زنزانة قذرة, ضيقة.. وفي عتمة زنزانته وجد نفسه يعيد حساباته ويتعلم الحساب.. فقد أدرك أن لكل شيء حساب وأن هذا المصير لا بد له أن يكون ضمن حساباته! إلى هنا قد تكون نهاية سعيدة نوعا ما!! لكن ماحدث بعد ذلك لم يكن في حسبان أي أحد منهما!! فحين تعقد صفقة مع محترف رشوة, هناك لا يوجد حساب للمنطق.. فلديه يصير ألا منطق منطقا في حد ذاته! 



بعد ساعتين وجد الصبي لنفسه رفيقا, ووجد العساكر لنفسهم عبد القادر!! أحد كبار تجار الخردة بسوق سيدي مؤمن.. 




كان الحاج جاهزا بمائتين ألف درهم, وضعها بكل ثقة فوق مكتب الرقيب وهو يقول: 

- نصف المبلغ.. لكل واحد منكم عشرون ألف..لمعت عيونهم الجشعة واستمر صمتهم لفترة وهم بصدد البحث عن حل لمشكلة الحاج فاستدرك أحدهم ليوقظ الاخرين من سكرة طمعهم:



- ياحاج ابنك قتل ! وهذه جناية خطيرة..


قاطعه في حدة وهو يقول :



- شأنكم! كل ما يهمني الان هو الخروج بابني من هذه الدائرة الليلة لا غدا.. وإذا صارت الامور على ما يرام لكم عندي نفس المبلغ..





ربت أحدهم على كتفيه وقد لمعت عيناه في خبث : 

- احضر الباقي ياحاج وخد أبنك بالسلامة!



- هذا وعد؟!




- كلام رجال.. 





أسرع الحاج بالخروج وأسرع هو إلى آلته الكاتبه, أوقفه الرقيب وهو يقول :

- هذه جريمة قتل سيضيع معها مستقبل الصبي!



- مستقبله كان ضائعا بهذه أو بأخرى.. الموضوع لا يحتاج منا إلى تفكير.. الان أمامنا مئاتي ألف درهم ولدينا سجين بدون ملف أهدتنا إياه السماء ماذا تختارون!؟! 





ولم يترددوا كثيرا.. التقط كل واحد منهم حصته وفتحوا باسم الله الرحمن الرحيم.. ملف جناية قتل مع سبق الاصرار والترصد.. عند الساعة الاولى كان عبد الستار أمام باب الدائرة, تقدم من أحدهم وهو يسأله في تردد خجل:




-صباح الخير سيدي.. هل غادر عساكر الدورية اليلية؟




- مند الساعة السادسة.. خير! هل أستطيع خدمتك في شيء؟




- نعم.. نعم.. لقد أودعتهم ابني البارحة لكي يعملوا معه اللازم على أن استلمه صباحا




-كيف ؟ لم أفهم!




- كيف هذه لها قصة طويلة.. فأنا رجل تعليم وأؤمن أن من لم يربيه اللين تربيه العصا.. فاتفقت مع أولئك العساكر الطيبين البارحة على أن يعيدوا تربيته على طريقتهم حتى يعرف أن الله حق!




- ما اسمه؟




-ثقي الدين الوزاني




- هل أنت متأكد أنك أودعته البارحة لتربيته!؟




- نعم بنفسي.. هل أستطيع استلامه الان؟




- لا.. ليس الان.. بعد عرضه على قاضي التحقيق.. أبنك على ذمة جناية القتل العمد


قاوم عبد الستار ساعتها كل شعور قد يشتته, اقنع نفسه بأن الامر لن يتعدى كونه خطأ غير مقصود أو كما حاول في واقع الامر أن يقنعه بذلك العساكر واعتبرها معادلة منطق.. و مادام المنطق ينفي على ابنه جريمة كهذه فلبد أن هناك خطأ سيتم تصحيحه لدى قاضي التحقيق..



وكانت الحصيلة المنطقية إحالة ملف ثقي الدين الوزاني إلى قاضي الاحداث بتهمة القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد!! 




من ساعتها لم يتحرك الاستاذ عبد الستار بربابته من أمام باب الدائرة!! صار كل من دخل أو خرج يتوقف لسماع حكايته.. كل التهديدات, والاهانات, والترهيب.. لم يثنه عن الصمود لأيام وأسابيع وأشهر إلى أن صارت حكايته حديث مدينة الدار البيضاء, إلى أن وصلت حكايته إلى أبعد من حدود الدائرة.. وحدود المدينة.. إلى أن وصلت حكايته إلى من لم يضعه العساكر في حساباتهم!! إلــــى..



أمال عكيفي    

من مجموعة حكاية لما قبل النوم 2006


0 التعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك في بيتك

أهلا بك في بيت القصة.. يهمنا أن تشاركنا بقصتك القصيرة.. مهما كانت قصيرة.. فهي تعنينا.. بيت القصة هو مكان لكل القصص القصيرة كانت من مخيلتك أو من مداعبات الواقع.. راسلنا على هذا العنوان amal.akifi@gmail.com..
سنهتم بتقييمها ونشرها,
بشرط أن لا تحمل مساهمتك أي إساءة لفظية ضد شخص بعينه أو دين..